كيف أعادت التكنولوجيا اختراع تجارة التجزئة؟ أحمد صبحي يكتب

نقدم لكم عبر موقعنا المدينة بريس من كان يتخيل قبل سنوات قليلة أن يستيقظ من النوم، ويكتشف أنه يحتاج إلى بعض مستلزمات البيت، أو أن ينقصه شيء لإعداد الغداء، أو حتى يرغب في قطعة شوكولاتة أو زجاجة مياه، فيفتح هاتفه، ويختار ما يريد، ثم يصل...
نقدم لكم عبر موقعنا المدينة بريس من كان يتخيل قبل سنوات قليلة أن يستيقظ من النوم، ويكتشف أنه يحتاج إلى بعض مستلزمات البيت، أو أن ينقصه شيء لإعداد الغداء، أو حتى يرغب في قطعة شوكولاتة أو زجاجة مياه، فيفتح هاتفه، ويختار ما يريد، ثم يصل إليه الطلب خلال عشر دقائق؟ لم يعد الأمر خيالاً علمياً، ولم يعد العميل مضطراً إلى النزول من منزله، أو البحث عن أقرب متجر، أو الانتظار حتى موعد التسوق الأسبوعي.
تطور تجارة التجزئة وظهور التجارة السريعة
بغضفة واحدة، أصبحت المتاجر أقرب إلينا من أي وقت مضى، لكن الحكاية أكبر بكثير من مجرد تطبيق على الهاتف، أو عامل توصيل يقود دراجته وسط الزحام. نحن أمام تحول عميق في واحد من أقدم الأنشطة الاقتصادية في التاريخ: تجارة التجزئة.
إذا عدنا بالزمن قليلاً، سنجد أن رحلة التسوق مرت بمراحل متتابعة، بدأت بدكان الحارة الذي يعرف صاحبه زبائنه بالاسم، ثم ظهرت المتاجر الكبرى والسوبر ماركت، وبعدها المراكز التجارية الضخمة التي حولت التسوق إلى تجربة اجتماعية وترفيهية متكاملة، ثم جاءت التجارة الإلكترونية لفصل عملية الشراء عن المكان، وأصبح بإمكان المستهلك أن يشتري من متجر في مدينة أخرى أو دولة أخرى، دون أن يتحرك من مكانه، وجاءت المرحلة التالية لتغير المعادلة مرة أخرى: لم يعد السؤال كيف يصل المنتج إلى العميل، بل كم يستغرق وصوله إليه؟
هنا ظهر مفهوم التجارة السريعة (Quick Commerce)، الذي اختصر المسافة بين الرغبة والشراء والتسليم إلى دقائق معدودة.
الأرقام تكشف حجم التحول
بحسب بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، اقتربت مبيعات التجارة الإلكترونية للشركات في 46 اقتصاداً حول العالم من 28 تريليون دولار خلال عام 2024. وهذه الاقتصادات تمثل نحو ثلاثة أرباع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، كما سجلت المبيعات نمواً بنسبة 5.5% مقارنة بالعام السابق.
أما في مصر، فقد بلغت قيمة مبيعات التجارة الإلكترونية بالتجزئة نحو 166.9 مليار جنيه خلال عام 2025، وفقاً لتقديرات مؤسسة Euromonitor International، محققة نمواً بالقيمة بلغ نحو 30% خلال عام واحد.
هذه الأرقام لا تعني أن التجارة التقليدية انتهت، لكنها تقول بوضوح إن المستهلك أصبح يوزع قرارات الشراء بين قنوات متعددة، وإن المنافسة لم تعد محصورة بين متجر وآخر، بل أصبحت بين نماذج أعمال مختلفة تماماً.
عشر دقائق وراءها اقتصاد كامل
قد يبدو وصول الطلب خلال عشر دقائق مسألة تتعلق بسرعة التوصيل، لكن الحقيقة أن الدقائق العشر تبدأ قبل أن يضغط العميل على زر الشراء، خلف هذه التجربة توجد شبكة معقدة من العمليات: توقع الطلب، وتحديد المنتجات التي يجب تخزينها، واختيار مواقع المخازن، وإدارة المخزون، وتجهيز الطلب، وتوزيع عمال التوصيل، وتحليل حركة المرور، ومراقبة الأداء لحظة بلحظة.
وهنا ظهر مفهوم المتاجر المظلمة (Dark Stores)، وهي مخازن مصممة لتجهيز طلبات العملاء فقط، دون استقبال المتسوقين داخلها. تبدو مثل السوبر ماركت من الداخل، لكنها تعمل باعتبارها مركزاً لوجستياً صغيراً قريباً من مناطق الطلب.
وقد اتجهت شركات التجارة السريعة إلى نشر هذه المخازن داخل الأحياء السكنية، بحيث تكون المسافة بين المنتج والمستهلك قصيرة بما يكفي لتحقيق وعد الدقائق العشر، ولعل أحد الأمثلة المهمة على حجم الاستثمار في هذا النموذج ما قامت به طلبات مارت في مصر، بافتتاح مركز توزيع ضخم على طريق القاهرة السويس في يوليو 2025، بمساحة 22.405 أمتار مربعة، وبقدرة تشغيلية معلنة تصل إلى 1.6 مليون قطعة يومياً، لدعم شبكة من المتاجر السحابية التي كان مخططاً أن تتجاوز 60 متجراً بنهاية العام.
هذا ليس مجرد مستودع لتخزين البضائع، بل جزء من بنية تحتية جديدة لتجارة التجزئة، تجمع بين التكنولوجيا والتخزين والخدمات اللوجستية وإدارة البيانات.
المستهلك أصبح أكثر قوة.. وأكثر صعوبة أيضاً
التغيير الأهم لم يحدث في المتاجر وحدها، بل في سلوك المستهلك. لقد اعتاد العميل تدريجياً أن تكون المنتجات متاحة في أي وقت، وأن يعرف السعر قبل الشراء، وأن يقارن بين البدائل، وأن يتابع طلبه، وأن يحصل عليه بسرعة.
أصبحت الراحة جزءاً من القيمة التي يدفع مقابلها، ولم تعد المنافسة قائمة على السعر وحده، لكن هذه المعادلة تضع الشركات أمام تحد حقيقي؛ فالعميل يريد السرعة، وتنوع المنتجات، والأسعار التنافسية، والتوافر المستمر، وتجربة شراء سهلة، وكل ذلك في الوقت نفسه، وهنا تظهر صعوبة الإدارة. فليس من الصعب أن تقدم خدمة سريعة إذا كنت مستعداً لتحمل أي تكلفة، لكن الصعب أن تقدم السرعة نفسها بجودة مستقرة، وبسعر مقبول، مع تحقيق ربح حقيقي.
البيانات والذكاء الاصطناعي.. من معرفة ما حدث إلى توقع ما سيحدث
في النموذج التقليدي، كان التاجر يعتمد إلى حد كبير على خبرته، وملاحظته لحركة البيع، ومعرفته بالمواسم وسلوك الزبائن، أما اليوم، فأصبحت الشركات قادرة على تحليل كميات ضخمة من البيانات، ومعرفة المنتجات الأكثر طلباً في كل منطقة، وأوقات الذروة، وأنماط الشراء، واحتمالات نفاد المخزون.
والأهم هو الانتقال من تحليل الماضي إلى توقع المستقبل. يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي أن تساعد في التنبؤ بالطلب، وتحديد الكميات المناسبة للمخزون، وتحسين مسارات التوصيل، وتوقع أوقات الذروة، بل وحتى فهم احتمالات تكرار الشراء، لكن التكنولوجيا لا تلغي دور الإنسان.
فالبيانات تخبرنا بما حدث، وما يحتمل أن يحدث، بينما تظل الخبرة والحكم الإداري ضروريين لفهم السياق، والتعامل مع الظروف الاستثنائية، واتخاذ القرارات التي لا تستطيع الخوارزميات وحدها تحمل مسؤوليتها، فالقرار الجيد لا يحتاج إلى بيانات أكثر بالضرورة، بل إلى بيانات صحيحة، وسؤال إداري واضح، وقدرة على تحويل المعلومات إلى فعل.
النمو ليس دائماً نجاحاً
وهنا نصل إلى السؤال الأصعب في عالم التجارة السريعة: هل تستطيع هذه الشركات تحقيق الربحية؟
من السهل نسبياً جذب العملاء من خلال الخصومات، والتوصيل المجاني، والعروض الترويجية، والإنفاق الكبير على التسويق.
لكن الاحتفاظ بالعميل وتحويله إلى مصدر إيرادات مستدام قصة مختلفة تماماً، هناك تكلفة المخزون، والإيجارات، والعمالة، والتكنولوجيا، والتوصيل، والمنتجات التالفة أو منتهية الصلاحية، والمرتجعات، وتكلفة اكتساب العميل.
وقد تحقق الشركة نمواً كبيراً في عدد الطلبات، بينما تخسر في كل طلب يتم تنفيذه، لذلك، لا ينبغي قياس النجاح بعدد الطلبات وحده، بل بمتوسط قيمة الطلب، وهامش المساهمة بعد تكاليف التجهيز والتوصيل، ومعدل تكرار الشراء، وكفاءة المخزون، وتكلفة اكتساب العميل، والقدرة على الاحتفاظ به.
الفرق كبير بين شركة تنمو لأنها تخلق قيمة حقيقية، وشركة تنمو لأنها تنفق أكثر من منافسيها، وفي النهاية، لا بد أن تتحول المعادلة من النمو بأي ثمن إلى النمو المربح والمستدام.
الفرصة أكبر من التوصيل
رغم التحديات، فإن هذا التحول يفتح أبواباً واسعة أمام الاقتصاد، فهو يخلق فرصاً في التكنولوجيا، والخدمات اللوجستية، وإدارة المخزون، والتسويق الرقمي، وتحليل البيانات، وسلاسل الإمداد، كما يتيح للموردين والعلامات التجارية الوصول إلى شرائح جديدة من المستهلكين.
وفي أسواق مثل مصر، يمكن لهذا النموذج أن يساعد على تطوير منظومة تجارة التجزئة، وربط المنتجين والموردين والمستهلكين بصورة أكثر كفاءة، لكن النجاح يحتاج إلى بنية تحتية قوية، ومدفوعات رقمية موثوقة، وبيانات دقيقة، وإدارة جيدة للمخزون، وبيئة تنظيمية تحمي حقوق المستهلك والعاملين، وتحافظ على المنافسة العادلة، كما يجب ألا نغفل الجانب البشري من هذه المعادلة. فالسرعة لا ينبغي أن تأتي على حساب سلامة عمال التوصيل، أو جودة المنتجات، أو حقوق العاملين في هذه المنظومة.
من جلسة نقاش إلى سؤال أكبر
اليوم استضاف الأستاذ محمد الشقنقيري، المدير العام لطلبات مارت مصر، في جلسة نقاش تناولنا خلالها ثلاثة أسئلة أعتقد أنها تختصر جانباً كبيراً من مستقبل هذا القطاع: كيف يمكن بناء نموذج أعمال يجمع بين السرعة، التوافر والأسعار التنافسية والربحية؟
كيف نحول البيانات والذكاء الاصطناعي من مجرد أدوات لجمع المعلومات إلى وسائل لاتخاذ قرارات أفضل؟
ومتى يجب على الشركات الرقمية أن تتوقف عن مطاردة النمو بأي ثمن، وتبدأ في التركيز على النمو المربح والمستدام؟
هذه الأسئلة ليست خاصة بطلبات مارت أو شركات التجارة السريعة وحدها، بل تمتد إلى كل شركة تعمل في الاقتصاد الرقمي، وكل مؤسسة تحاول إعادة تعريف علاقتها بعملائها، فالمنافسة في المستقبل لن تكون بالضرورة لمن يملك أكبر عدد من المتاجر، أو أكبر مخزون، أو حتى أسرع تطبيق، بل لمن يستطيع بناء منظومة متكاملة تحقق قيمة حقيقية للعميل، وتحقق في الوقت نفسه عائداً اقتصادياً مستداماً.
وهنا أعود إلى العنوان: «طلباتك أوامر»
قد يبدو أننا وصلنا إلى مرحلة أصبحت فيها كل رغباتنا قابلة للتحقيق، وأن العالم يتحرك وفقاً لما نطلبه، وأن المسافة بين الرغبة والاستجابة تقل يوماً بعد يوم، لكن صلاح جاهين كان له رأي آخر، أكثر عمقاً وسخرية، حين كتب: جلا جلا، يا محترم جلا جلا كل الأمور متسهلة، تطلب حواجب نمل، ولا قلوب دبب، تحضر، بسرعة مذهلة، ما علكش إلا بس تفضل تشتهى، تطلب وتطلب في حاجات لا تنتهي، كله يجاب، ما هي جنة طبعاً يا مهاب …لكن مفيش غير بس شيء واحد وحيد، لو تطلبه، لا يستجاب… إنك تعوز تخرج من السور الحديد.
ربما نجحت التكنولوجيا في اختصار المسافات، وتسريع التجارة، وتحويل كثير من الأمنيات الصغيرة إلى طلبات تصل إلى أبوابنا، لكن يظل السؤال الذي يستحق التأمل: هل أصبحنا أكثر حرية لأن كل شيء أصبح متاحاً لنا، أم أننا فقط أصبحنا أكثر قدرة على الطلب؟
الوسوم: التجارة الإلكترونية
لقد عرضنا لكم تفاصيل تحول تجارة التجزئة وظهور التجارة السريعة في مصر والعالم، بما في ذلك أرقام مبيعات التجارة الإلكترونية، ومفهوم المتاجر المظلمة، وتجربة طلبات مارت مصر، وتحديات الربحية والاستدامة في هذا القطاع عبر موقعنا المدينة بريس، ونسعى دائمًا لتقديم أهم التفاصيل المتعلقة بمستقبل التجارة الرقمية وسلوك المستهلك، مع متابعة أبرز المعلومات والتطورات المرتبطة بهذا الموضوع.





