أخبار مصر

المدينة عاجل:معلومات الوزراء: التوترات الجيوسياسية تعيد تشكيل أنماط تفاعل الاقتصادات

** المركز يستعرض واقع ومستقبل التعاون الدولي في مجالات التجارة ورأس المال ويؤكد: تراجع سمات العولمة التقليدية لصالح ترتيبات أكثر ارتباطًا بالتحالفات الاستراتيجية

** تقديرات لمعهد ماكينزي العالمي تشير إلى تراجع التجارة بين الدول الأقل تحالفًا سياسيًّا مقابل تزايدها بين الدول الأكثر تقاربًا في التحالفات السياسية


أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلاً جديداً حول تطورات التعاون الدولي في مجالي التجارة ورأس المال، مسلطاً الضوء على التحولات في أنماط التجارة الدولية ومدى انعكاس الاعتبارات الجيوسياسية على إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي، وذلك في ضوء المؤشرات التي يعرضها تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي.

أشار التحليل إلى أن النظام الاقتصادي العالمي شهد في السنوات الأخيرة تحولات هيكلية تعكس تزايد التقاطع بين الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية، وذلك استنادًا إلى ما أورده تقرير “مقياس التعاون العالمي 2026” الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي يرصد اتجاهات التعاون الدولي في ظل بيئة عالمية تتسم بتصاعد حالة عدم اليقين، حيث دفعت التوترات الجيوسياسية المتزايدة بين الدول، إلى جانب إعادة هيكلة سلاسل الإمداد العالمية، إلى إعادة تشكيل أنماط التفاعل بين الاقتصادات، بما أفرز واقعًا جديدًا تتراجع فيه بعض سمات العولمة التقليدية لصالح ترتيبات أكثر انتقائية وارتباطًا بالتحالفات الاستراتيجية.

ومن هذا المنطلق، لم يعد التعاون الدولي يُقاس بمدى الانفتاح الظاهري أو كثافة الاتفاقيات التجارية متعددة الأطراف، وإنما بقدرته الفعلية على الحفاظ على تدفقات التجارة ورأس المال واستدامتها في بيئة دولية تتسم بارتفاع درجة عدم اليقين. وتُعد التجارة وتدفقات رأس المال من أبرز المؤشرات الموضحة لطبيعة هذه التحولات، إذ تعكس أنماطهما درجة الترابط الحقيقي بين الدول كما تكشف اتجاهات إعادة توزيع الإنتاج والاستثمار عالميًا. وعلى الرغم من أن التبادل التجاري بات يُعاد تنظيمه ضمن أطر أكثر توافقًا سياسيًا وأمنيًا مع التطورات الجيوسياسية الراهنة، فإن الاقتصاد العالمي لم يشهد انكماشًا هيكليًّا في حجم التبادل، بما يشير إلى انتقال تدريجي من نموذج تعددية واسعة النطاق إلى نموذج أكثر انتقائية قائم على إعادة التموضع الجيوسياسي.

ونمت تجارة السلع بوتيرة أبطأ من نمو الناتج المحلي الإجمالي، ما أدى إلى تراجع محدود في وزنها النسبي ضمن النمو الكلي، إلا أن الأهمية لا تكمن في حجم التجارة فحسب، بل في تركيبها الجغرافي والسياسي؛ ففي ظل الضغوط المرتفعة على النظام التجاري متعدد الأطراف، يشهد العالم إعادة تشكيل واسعة للشركاء التجاريين، حيث تشير تقديرات معهد ماكينزي العالمي إلى تراجع التجارة بين الدول الأقل تحالفًا سياسيًّا مقابل تزايدها بين الدول الأكثر تقاربًا في التحالفات السياسية.

أشار التحليل إلى انخفاض “المسافة الجيوسياسية” بنحو 7% خلال الفترة 2017-2024، مما يشير إلى إعادة تمركز التجارة ضمن شبكات أكثر انسجامًا بين الدول الأكثر تحالفًا سياسيًا، حيث يشير مفهوم المسافة الجيوسياسية إلى مدى التباعد أو التقارب بين دولتين من حيث التوجهات السياسية، والتحالفات الدولية لتجارة السلع العالمية، وعادة ما يستخدم في العلاقات الدولية والاقتصاد الدولي.

ومن الجدير بالذكر أن الدول النامية عززت موقعها في التجارة العالمية خلال عام 2024، إذ ارتفعت صادراتها السلعية وخاصة الصناعية لتصل إلى 276 مليار دولار، كما تراجع مؤشر تركّز التجارة بنسبة طفيفة (1%)، بما يعكس درجة محدودة من التنويع في الشركاء التجاريين.

أما في عام 2025، فقد أثارت الإعلانات الأمريكية المتتالية بشأن التعريفات الجمركية تساؤلات حول مستقبل التجارة العالمية، كما أن المؤشرات الأولية توضح أن هذه التطورات لم تؤدِّ إلى انكماش كامل، بل إلى تسريع عملية إعادة التشكيل؛ فقد نما حجم التجارة بنسبة 2.4%، مقابل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.2%.  وفي الوقت ذاته، انخفضت الواردات الأمريكية من الصين بنحو 20% خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025، مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024، بينما ارتفعت الواردات من شركاء أكثر تقاربًا جيوسياسيًّا في أوروبا وآسيا.

وتتجسد التوترات الجيوسياسية في عدة محاور ساخنة تعيد رسم خريطة العالم؛ يأتي في مقدمتها التنافس الاستراتيجي المتصاعد بين الدول حول الريادة التكنولوجية وسلاسل توريد أشباه الموصلات، وهو ما أدى إلى سياسات الحمائية التجارية المتبادلة. كما تبرز تداعيات الصراع الروسي الأوكراني التي أحدثت صدعا عميقًا في أمن الطاقة والغذاء الأوروبي والعالمي، بالإضافة إلى اضطراب الممرات الملاحية في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما ما يحدث في قبالة الخليج العربي وانزلاق المنطقة إلى حرب خلال الشهور الماضية، تأثرت بسببها تكاليف الشحن الدولي. وهذه المواجهات بين الأقطاب الكبرى والقوى الإقليمية لم تعد مجرد تغيرات جيوسياسية، بل تحولت إلى -حرب اقتصادية صامتة-، وهو ما يفسر التراجع الملحوظ في مؤشرات التعاون متعدد الأطراف.

أوضح التحليل أن تدفقات رأس المال اتجهت نحو الصعود منذ عام 2022، مدفوعة بسعي الدول إلى تعزيز قدراتها الإنتاجية والتكنولوجية عبر جذب الاستثمارات، حيث ارتفعت مؤشرات تدفقات المحافظ الاستثمارية ورصيد الاستثمار الأجنبي المباشر بشكل ملحوظ، كما شهدت المشروعات الاستثمارية الجديدة نموًّا في القطاعات ذات الأهمية الاستراتيجية، مثل أشباه الموصلات، ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، وبطاريات السيارات الكهربائية، والمعادن الحيوية.

وسلط التحليل الضوء على تطور مؤشر التعاون الاقتصادي العالمي؛ موضحاً تحسناً نسبياً في مستوى الانفتاح والتكامل العالمي خلال السنوات الأخيرة، رغم وجود تباين ملموس بين مكونات المؤشر. ويعكس هذا التحسُّن استمرار التدفقات التجارية والاستثمارية عالميًّا، مع تغير ملحوظ في هيكلها واتجاهاتها؛ إذ تُظْهِر البيانات قفزة نوعية في الاستثمار الأجنبي المباشر الأخضر (Greenfield FDI) كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، فبعد أن اتخذ عام 2020 نقطة أساس (بقيمة 100)، شهدت السنوات التالية تعافيًا حادًا ليصل المؤشر إلى ذروته عند قرابة 175 في عام 2023. وفي سياق تحليل معدلات النمو السنوي المركب (CAGR)، يظهر تباين واضح في أداء القطاعات المختلفة؛ فبينما سجلت الاستثمارات في المحفظة الأجنبية (FPI) وتجارة الخدمات نموًا قويًا ومستقرًا في الفترة الأخيرة (2023-2024)، شهدت تجارة السلع والمواد الخام انكماشًا طفيفًا، مقارنة بمرحلة التعافي السريع التي تلت الجائحة. وهذا التحول يشير إلى أن طبيعة التعاون العالمي تتجه بشكل أكبر نحو الخدمات ورؤوس الأموال المالية، في حين تتباطأ التجارة السلعية التقليدية نتيجة التوترات الجيوسياسية وإعادة هيكلة سلاسل التوريد.

وعلى النقيض من نمو الاستثمارات، شهدت المؤشرات المرتبطة مباشرة بالتعاون متعدد الأطراف تراجعًا ملحوظًا؛ إذ انخفضت المساعدة الإنمائية الرسمية بنسبة 10.8% في عام 2024، نتيجة تراجع المساعدات المقدمة لأوكرانيا وانخفاض الإنفاق الإنساني الموجه للأزمات والنزاعات والكوارث الطبيعية، بالإضافة إلى تقليص الإنفاق المرتبط باللاجئين. ولم تحقق سوى أربع دول هدف الأمم المتحدة البالغ 0.7% من إجمالي الدخل القومي، كما توقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انخفاضًا إضافيًا يتراوح بين 9% و17% في عام 2025، مما يشير إلى وجود توجه عام لتقليص الالتزامات الإنمائية الدولية.

أما على صعيد حركة الأفراد، فقد بدأت الهجرة العمالية الدولية تظهر مؤشرات تباطؤ واضحة بعد سنوات من النمو المستمر؛ إذ تراجعت تدفقات الهجرة إلى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بنسبة 4% في عام 2024، قبل أن تسجل انكماشًا حادًا ومتوقعًا في عام 2025؛ حيث انخفض صافي تدفقات الهجرة إلى الولايات المتحدة وألمانيا بنسبة 65% و39% على التوالي، مقارنة بعام 2024، مما يعكس تزايد القيود وتغير السياسات الوطنية تجاه حركة العمالة العالمية.

وأشارت البيانات إلى أن عام 2025 لم يشهد انهيارًا في التعاون، بل استمرارًا لمسار إعادة الهيكلة الذي بدأ في السنوات السابقة من حيث تراجع نسبي في حصة تجارة السلع، وتصاعد في تدفقات رأس المال، وتشديد في قيود الهجرة. كما تجدر الإشارة إلى أن 60% من المديرين التنفيذيين لم يعتبروا أن التأثيرات سلبية بدرجة كبيرة، مما يوضح قدرة العديد من المؤسسات على إعادة ضبط استراتيجياتها للتكيف مع بيئة أكثر اضطرابًا. وفي ضوء ذلك، يبدو أن النظام الاقتصادي العالمي لا يتجه نحو تفكك شامل، بل نحو نمط جديد من “العولمة الانتقائية”، قائم على إعادة تمركز الشراكات ضمن دوائر جيوسياسية متقاربة. وتؤكد المبادرات الأخيرة مثل شراكات الاستثمار والتجارة الجديدة وتقدم اتفاقيات إقليمية كبرى أن التعاون لم يتوقف، وإنما يعاد تشكيله وفق اعتبارات استراتيجية جديدة.

وتُظْهِر نتائج مقياس التعاون العالمي 2026 أن الاقتصاد الدولي لا يتجه نحو انهيار كامل لمنظومة التعاون، وإنما نحو إعادة تشكيل لقواعده وأدواته المختلفة، فالتراجع النسبي في بعض مؤشرات التعاون متعدد الأطراف، مثل المساعدات الإنمائية والهجرة يقابله استمرار نمو تدفقات رأس المال وتجارة الخدمات، وإعادة تموضع التجارة ضمن دوائر جيوسياسية أكثر تقاربًا. وعليه، فإن ما نشهده ليس نهاية العولمة، بل انتقالًا من عولمة شاملة قائمة على الانفتاح الواسع، إلى عولمة انتقائية تحكمها اعتبارات الأمن الاقتصادي، وإدارة المخاطر، والتحالفات الاستراتيجية. غير أن هذا التحول يحمل في طياته مخاطر حقيقية تتمثل في تعمّق التجزؤ الاقتصادي، وارتفاع تكاليف المعاملات، وتباطؤ انتشار التكنولوجيا، وتراجع فرص الدول النامية في الاندماج الفاعل في سلاسل القيمة العالمية. ومن ثم، فإن إدارة هذه المرحلة تتطلب تحركًا استباقيًّا لإعادة تصميم التعاون الدولي بصورة أكثر مرونة وتوازنًا من خلال:

– إعادة تنشيط وتحديث أطر التعاون متعدد الأطراف عبر إصلاح آليات الحوكمة التجارية والمالية، بما يسمح بإدارة الخلافات الجيوسياسية دون تعطيل التدفقات الاقتصادية العالمية.

– تعزيز التكامل بين الاقتصادات الناشئة، من خلال دعم الممرات التجارية الجديدة، وتوسيع الاتفاقيات الإقليمية، وتسهيل التجارة الرقمية والخدمات العابرة للحدود.

– الحفاظ على انسيابية تدفقات المعرفة ورأس المال البشري، عبر سياسات هجرة أكثر مرونة وانتقائية ذكية، بما يضمن استدامة الابتكار العالمي.

– توسيع الاستثمار المشترك في القطاعات الاستراتيجية، مثل أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والمعادن الحيوية، لتجنب الانقسام التكنولوجي وتعزيز الاعتماد المتبادل الإيجابي.

أكد التحليل في ختامه على أن مستقبل النظام الاقتصادي العالمي يتوقف على قدرة الدول والمؤسسات الدولية على تحويل الضغوط الجيوسياسية من عامل تفكيك إلى محفز لإعادة تنظيم التعاون على أسس أكثر واقعية واستدامة؛ فالعالم لا يقف أمام مفترق طرق بين التعاون والانقسام فحسب، بل أمام فرصة لإعادة تعريف مفهوم التعاون ذاته، ليصبح أكثر مرونة، وأكثر توافقًا مع التحولات الهيكلية التي تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي.

جمال عبد العزيز

جمال عبد العزيز، محرر الشؤون السياسية والبرلمانية بـ بوابة البوابة نيوز. متخصص في تغطية أخبار الدولة المصرية، والسياسات الخارجية، والقضايا الأمنية والقانونية. بفضل متابعته اللحظية لمراكز صنع القرار، يقدم "جمال" محتوى إخبارياً دقيقاً يغطي كافة الجوانب السياسية، والاقتصادية، والخدمية التي تشغل الرأي العام المصري والعربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى