أخبار مصر

عاجل | الحرائق تهدد واحات درعة تافيلالت .. والساكنة تطالب بتدخل عاجل

مع أولى موجات الحر التي تلهب سماء أقاليم جهة درعة-تافيلالت، تتسلل إلى قلوب ساكنة الواحات مخاوف قديمة تتجدد كل عام؛ “الحرائق”. فما إن يعلن الصيف عن قدومه، حتى تتحول آلاف أشجار النخيل الباسقة إلى قنابل موقوتة يترقب الجميع شرارتها الأولى بقلق بالغ.

هي ليست مجرد أشجار تنتج التمر بمختلف أصنافه، وإنما ذاكرة حية وتاريخ ممتد وقوت يومي للساكنة المحلية، تقف اليوم على حافة الفناء في صمت رسمي مريب، وكأن المراقب يتصفح رواية مأساوية تتكرر فصولها كل عام.

الفصل الأول يبدأ مع ارتفاع درجات الحرارة، حيث تتحول الأعشاش اليابسة ومخلفات النخيل المتراكمة منذ سنوات إلى وقود ينتظر عود ثقاب، فيما الفصل الثاني هو صراخ الأمهات وصيحات الرجال وهم يهرعون بدِلاء الماء وحفنات التراب نحو ألسنة لهب لا ترحم، أما الفصل الأخير فيكتب دائما بالسواد.. مئات أشجار النخيل باتت رمادا، وعيون تذرف الدمع على عمر من الكد ضاع في ساعة.

“نحن لا ننام في الصيف”، يقول محمد أوفقير، فلاح من واحة تامكروت بإقليم زاكورة، مضيفا: “كل هبة ريح كأنها نذير شؤم. النخلة التي غرسها جدي وأسقيها منذ 30 سنة يمكن أن تتحول إلى فحم أمام عيني في أقل من دقيقة، والمشكل أننا وحدنا في المواجهة”.

كلمات أوفقير في تصريحه لهسبريس تختصر حالة رعب جماعي تعيشه الواحات بالجنوب الشرقي للمغرب، حيث أصبح الخوف من الحريق جزءا من الطقس اليومي للساكنة مع كل صيف، خاصة أن الخطورة لا تكمن فقط في الخسائر الآنية، بل في تهديد وجودي للنظم الواحية والإيكولوجية برمتها.

ويرى عدد من المهتمين بالمجال البيئي بإقليم الرشيدية أن استمرار الحرائق بهذه الوتيرة يعني تصحرا متسارعا، وانقراضا لنمط عيش عمره آلاف السنين، وتدميرا للتنوع البيولوجي الذي تمثله الواحة كحاجز طبيعي ضد زحف الرمال؛ “إنها خسارة للمغرب وللإنسانية، لأن هذه الواحات المصنفة ضمن التراث العالمي، تنهار بصمت قطعة قطعة”.

في قلب هذه المأساة المتكررة، تتساءل ساكنة واحات جهة درعة-تافيلالت عن دور الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان، التي أحدثت لحماية هذا الإرث وتنميته، خاصة في وقت تبدو غائبة عن الميدان تاركة الساكنة تواجه مصيرها المجهول بمفردها وتقاوم من أجل حماية المنظومة الواحية.

“نسمع عنها في الرباط، ولا نرى أثرها في الواحة”، تقول فاطمة أيت باها، من ساكنة واحة أوفوس (إقليم الرشيدية)، في إشارة إلى الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان، مضيفة أن “المطلوب ليس ندوات وشعارات فضفاضة، بل جرافات لتنقية الواحات وآليات لفتح المسالك”، مؤكدة أن “الوكالة يجب أن تنزل إلى الميدان قبل أن تتحول واحاتنا إلى مقابر للنخيل”، بتعبيرها.

وصرحت أيت باها لهسبريس بأن المطلب اليوم لم يعد استعطافا، بل صرخة للبقاء، موردة أن ساكنة الواحات تطالب ببرنامج استعجالي شامل قبل فوات الأوان، عماده الأول تنقية الواحات من كل المواد القابلة للاشتعال التي تتحول إلى وقود للنار، والعماد الثاني هو شق مسالك وطرق داخل كثافة النخيل، لأن الكارثة الكبرى هي أن شاحنات الوقاية المدنية تقف عاجزة على الأطراف بينما النيران تلتهم العمق وليس بيد للساكنة سوى وسائل بدائية للمواجهة.

“إذا استمر الوضع هكذا، فلن يتبقى لأحفادنا شيء اسمه واحة”، يحذر الحسين صبير، أحد أعيان منطقة سكورة بإقليم ورزازات، مضيفا أن “الحريق لا يقتل النخلة فقط، وإنما يقتل الأمل. نريد من الوكالة الوطنية أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية، وأن نرى أفعالا لا شعارات”.

وأضاف صبير، في حديث انتقاد لما تعيشه الواحات وللصمت الرسمي في حقها: “إما أن ننقذ ما تبقى، أو نكتب شهادة وفاة جماعية لواحات المغرب ككل، وليس درعة-تافيلالت وحدها”، موردا أن “الرواية لا تزال مفتوحة، لكن نهايتها تكتب الآن. فإما أن تتحرك الجهات المسؤولة بجدية لوضع حد لمسلسل الحرائق عبر تفعيل حقيقي لدور الوكالة الوطنية وإنجاز البنيات التحتية الضرورية، أو أن تستمر فصول المأساة كل صيف إلى أن يأتي يوم لا نجد فيه نخلة واحدة تظلنا من لهيب الشمس”، وفق تعبيره.

خلف كل نخلة تحترق قصة أسرة تفقد مورد رزقها الوحيد، فاقتصاد الواحات هش بطبعه، يقوم على التمر كمصدر دخل رئيسي، وعلى الزراعات المعيشية البينية التي تحتمي بظل النخيل، عندما تأتي النيران، فهي لا تلتهم الجذوع فقط، بل تحرق معها مواسم من العمل، وتدفع بالعائلات نحو دائرة الفقر المدقع، لتتحول الواحة من جنة خضراء إلى عبء على ساكنتها.

“أكبر إهانة لنا هي أن نرى رجال المطافئ يبكون معنا لأن شاحناتهم لا تستطيع الدخول”، تصرح خديجة أوعسو، ناشطة بيئية من زاكورة، متسائلة: “كيف يعقل أننا في 2026 ولا توجد مسالك داخل واحات عمرها قرون؟”، معلنة أن “المطلب بسيط: افتحوا لنا الطريق لننقذ أرواحنا، كل دقيقة تأخير تعني عشرات النخيل رمادا. المسلك ليس ترفا، إنه شريان حياة”.

“لم نعد نطلب، بل نستغيث”، يؤكد إبراهيم حيان، عضو تعاونية فلاحية بإقليم تنغير، قائلا: “نريد وحدة متنقلة للوقاية المدنية تتمركز قرب الواحات طيلة الصيف، كما نريد نقط ماء وتجهيزات إطفاء أولية داخل الواحات، ونريد تكوين شباب متطوعين”، مضيفا أن “الحل ليس معجزة؛ الحل إرادة. إذا احترقت هذه الواحات، سنحترق معها جميعا، ولن ينفع الندم”.

“كل المؤشرات العلمية والمناخية تؤكد أن موجات الحر ستزداد شراسة، وأن خطر الحرائق سيتضاعف. المواصلة بالمنطق نفسه، أي رد الفعل، بعد كل كارثة، يعني الحكم بالإعدام البطيء على الواحات”، يقول إبراهيم حيان، مشددا على أن “المطلوب اليوم هو ثورة حقيقية في تدبير المجال الواحي، تضع الحماية والوقاية في صلب الأولويات، قبل أن نستيقظ ذات صيف على خبر: لم تعد هناك واحات في الجنوب الشرقي”.

رد من داخل الوكالة.. نشتغل وفق الإمكانيات

في المقابل، وحرصا على مبدأ التوازن، نالت جريدة هسبريس الإلكترونية رأي الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان حول الموضوع وما جاء على لسان مصادر الجريدة، وقد أكد مسؤول بالوكالة، فضل عدم الكشف عن هويته لكونه غير مخول بالتصريح لوسائل الإعلام وأن أي موقف رسمي يتطلب موافقة مركزية، أن “الوكالة واعية تماما بحجم التحديات التي تواجهها المنظومة الواحية، وخصوصا إشكالية الحرائق المتكررة”.

وقال المصدر ذاته إن “تدخل الوكالة محكوم باختصاصات قانونية وشراكات مع قطاعات حكومية وجماعات ترابية، وهي لا تتوفر على آليات التدخل الميداني المباشر للإطفاء، لأن ذلك من صميم اختصاص الوقاية المدنية والسلطات المحلية وقطاعات حكومية أخرى”، كاشفا أن الوكالة “أطلقت خلال السنوات الأخيرة برامج لتنقية الواحات وإحداث مسالك في عدد من المناطق بشراكة مع عمالات الأقاليم المعنية ووزارة الفلاحة والجماعات الترابية والمجالس الإقليمية والجهوية، لكن الإكراهات العقارية وتشتت الملكيات وصعوبة التضاريس تعقد المأمورية وتتطلب وقتا وميزانيات ضخمة”.

وأضاف أن “الوكالة تشتغل وفق الإمكانيات المتاحة، وملف حماية الواحات هو ملف بنيوي أعقد من أن تتحمله مؤسسة واحدة، ويحتاج تضافر جهود كل المتدخلين من قطاعات وزارية ومجالس منتخبة ومجتمع مدني”، مشيرا إلى أن “برامج جديدة مهيكلة توجد قيد الإعداد وسيتم الإعلان عنها قريبا”.

وأفاد المسؤول نفسه بأنه في سياق جهودها للتنمية وصون الاستقرار، أبرمت الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان اتفاقيات عديدة تهدف إلى حماية المنظومة الواحية وتعزيز صمودها، من خلال مجموعة من التدخلات والإجراءات الميدانية تشمل مكافحة التصحر وتثمين الموارد المائية ودعم الأنشطة الفلاحية المستدامة.

جمال عبد العزيز

جمال عبد العزيز، محرر الشؤون السياسية والبرلمانية بـ بوابة البوابة نيوز. متخصص في تغطية أخبار الدولة المصرية، والسياسات الخارجية، والقضايا الأمنية والقانونية. بفضل متابعته اللحظية لمراكز صنع القرار، يقدم "جمال" محتوى إخبارياً دقيقاً يغطي كافة الجوانب السياسية، والاقتصادية، والخدمية التي تشغل الرأي العام المصري والعربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى