عاجل | صبري ربيحات يكتب : الصين وامريكيا والعالم …

تابعت ومعي الملايين حول العالم الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الامريكي دونالد ترامب إلى الصين خلال الأسبوع الأخير والاستقبال الدافيء الذي حظي به من قبل الرئيس الصيني والحزب كما توقفت كثيرا عند كل ما رشح عن الزيارة على لسان الزعيم الصيني والرئيس الامريكي و تتبعت ما قاله بعض النقاد والمعلقين حول الزيارة واهميتها .
لقد أظهرت هذه الزيارة الرئيس الامريكي بشكل مختلف فقد كانت مناسبة ليظهر للشعب الامريكي والعالم قدراته ومهاراته ودبلوماسيته في مواقف تختلف عن سابقاتها . فمن غير المتوقع مقارنتها بالزيارات التي قام بها لبلدان اخرى والتي بدت كنزهة حيث يستمع الجميع لما سيقول ولا تشكل الاجتماعات ولا اللقاءات اختبارا لما سيقول فهو لن يحاسب ولن يوجه له احد نقدا او لوما او سؤالا محرجا خصوصا تلك التي استهل بها رحلاته لخارج الولايات المتحدة وزار خلالها السعودية والإمارات وقطر .
قد تكون هذه المرة الأولى التي ظهر فيها ترامب قريبا من الالتزام بقواعد البروتوكول والعرف الدبلوماسي فقد كان أقل غطرسة وتعجرفا وأبدى قدرأ من الاحترام والتقدير للصين وشعبها وحضارتها وانجازاتها وبدى معترفا بالاهمية التي تحتلها الدولة التي حل ضيفا عليها .
نعم ، لم ينتقد ترامب الدولة المضيفة لا تلميحا ولا تصريحا وقد بدى واضحا أنه بحترم زعماءها وقادتها ولا يجاملهم او يمارس شيئا من الحيل او المسايرات المبالغ فيها ،فقد بدى أقل ضجرا مما كان عليه في انجلترا واكثر انتباها واهتماما لما يقوله الصينيون وبشكل يختلف عن الاهتمام الذي كان يبديه عند لقاء زعماء وساسة أوروبا.
في خطابه وتصريحاته قال ترامب اشياء جميلة عن الصين وأظهر اهتمامه بتطوير العلاقات التجارية والسياسية معها وقد بادلته القيادة الصينية نفس الاهتمام وأكد الرئيس الصيني على اهمية وقيمة تطوير العلاقة مع الولايات المتحدة التي اعتبرها قوة مهمة يطمح الصينيون إلى رفع مستوى التعاون والتبادل والتنسيق معها .
صحيح إن العلاقات الامريكية لا ولن تتغير بين يوم وليلة وأن هناك مواقف متباعدة لا بل متعارضة حيال ملفات عديدة اولها تايوان والثاني الطريقة التي تتناول فيها أمريكيا القضايا الدولية وسياسات أمريكيا التي تعمل على عرقلة تمدد النفوذ التجاري والدبلوماسي للصين في العديد من الأقاليم لكن ذلك لم يقلل من اهمية الزيارة في خفض مستوى التوتر بين البلدين والعالم ووقف التصعيد في حرب الرسوم والضرائب الجمركية اضافة الى توسيع ميادين التبادل التجاري في مجالات كان التعاون فيها موقوفه ان لم يكن محرما ..فستسورد الصين الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة وسيتعاون البلدان في تبادل الخبرات والتكنولوجيا المتعلقة بالذكاء الاصطناعي اضافة الى صفقات لشراء طائرات بوينغ أمريكية .
بعد الكثير من التصريحات والقرارات التي هددت الاستقرار الاقتصادي واخافت الاسواق والمستثمرين بدى الرئيس الامريكي وهو يقود رؤساء مجالس ومدراء الشركات والصناعات الكبرى وكأنه يتخذ استدارة جديدة ومتحررة من كل العوائق والعقبات التي حالت وتكاد ان تحول دون تحقيق تقدم في العلاقات الامريكية الصينية التي كانت وحتى قبل هذه الزيارة في وضع لا يشي بأنها مرشحة للتحسن.
لقاء الرئيس الامريكي ورفاقه الرئيس الصيني وترحيب الصين بهذه الزيارة قلب صفحة الشك والعداء لكنه لم ينهي الاختلافات . اظن أن ترامب سيستخدم هذه الزيارة على انها انجاز نوعي جديد يضيفه الى قائمة الانجازات التي يتبجح بها واستخدمها كشواهد على زعمه بأنه الرئيس الاقوى والاعظم لأمريكا والعالم وبيان أن لا أحد غيره يستطيع عمل مثل هذه الزيارة في هذا التوقيت .
فيما يخص ايران والشرق الاوسط لا اظن أن أمريكيا تتوقع أن تغادر الصين موقفها المبدئي المستند لرفضها لتدخل القوى الغربية في شؤون العالم الداخلية باعتبارها وصية على العالم . صحيح أن الطرف الصيني أشار الى انه لا يؤيد امتلاك ايران لسلاح نووي لغايات عسكرية لكنه يحمل نفس الموقف حيال العديد من الدول التي اصبحت قوة نووية تهدد جيرانها والاستقرار العالمي .
لقد عاد ترامب من الزيارة منتشيا وسيقول للشعب الامريكي انظروا ما بامكاني عمله فانا رئيس ديناميكي استطيع أن أحدث اختراعات لم يسبق ان قام بها غيري فانا الذي حسنت ميزان التبادل التجاري وسأتي بأموال صينية هائلة لتستثمر في بلادنا وتشتري منتجاتنا وكل هذا ما كان ليحدث لولا ما قمت به من إجراءات لرفع الضرائب والإصرار على تعديل الميزان التجاري مع الصينيين.
لا اعرف اذا كان ما حدث في بكين تحت أضواء الكاميرات من حديث عن التعاون والتنسيق والتبادل سيصمد تحت ضغوط المصالح والتعهدات والوعود فامريكيا واسرائيل كانتا تعملان معا ومع شركاء عرب وأوروبين على افشال مشروع الحرير والحزام كفريق تجاري جديد يصل أوروبا وآسيا بطول يتجاوز الاف الكيلومترات . حتى اشهر قليلة كانت الهند تلتقي بالشركاء الذين سييسرون للهند ان تقيم طريقا بديلا ومنافسا ينطلق من الهند الى الخليج العربي ويعبر الجزيرة والاردن والأراضي الفلسطينية وصولا الى أوروبا.
تصوري أن كل من الصين والولايات المتحدة سيقدمان الزيارة على انها انجاز سياسي مهم حمل اعترافا أمريكيا بان الصين قوة عالمية اقتصاديا وسياسيا وعسكريا وحضاريا وربما أنها القوة المكافئة للولايات المتحدة والمرشحة لتصبح القطب الاخر لهذا العالم . اما بالنسبة لأمريكا فقد بدى أن الرئيس الامريكي أدرك اهمية استخدام المسرح العالمي لإظهار مواهبه وقدراته ففي الوقت الذي تشتد فيه وتيرة النقد داخليا حول الحرب وارتفاع الأسعار يذهب ترامب الى ثاني قوة اقتصادية في العالم ليقول لشعبه والناخب الامريكي أن بامكاني أن اطلع الصين واعقد معها الصفقات وابيعها المنتجات الامريكية لاحرك الاسواق واحقق الاهداف التي وعدتكم بها أثناء وبعد الانتخابات الرئاسية .
في تقديري أن نتائج الزيارة لا تتجاوز احداث بعض الهدوء ووقف لتوتر الاسواق لاسابيع، ليعود التهديد والتوتر من جديد فالمنطلقات والفلسفة والاهداف والمنهج لكلا الرئيسين والنظامين متباينة ومتضادة .




