المدينة عاجل:معلومات الوزراء: 465 مليون وظيفة ارتبطت بالتجارة الدولية خلال 2024

أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلاً جديداً حول دور التوظيف المتعلق بالتجارة الدولية في تعزيز فرص العمل، حيث أشار إلى وجود عدد كبير من الوظائف الذي يرتبط بالأنشطة التجارية؛ إذ لا يقتصر التوظيف على تلبية الطلب للاقتصاد المحلي، بل يشمل كذلك إنتاج السلع والخدمات الموجَّهة للتصدير إلى الأسواق الخارجية، أو المدخلات التي تدخل في تصنيع منتجات وخدمات مُعدّة للتصدير لاحقًا، كما تمتد فرص العمل المرتبطة بالتجارة إلى أنشطة الاستيراد وما يتصل بها من عمليات، وعند تعطل التدفقات التجارية، تصبح هذه الوظائف عرضة للمخاطر؛ مما يضطر العمال إلى البحث عن فرص عمل بديلة.
وقد تلجأ الشركات المحلية إلى استخدام المدخلات المستوردة لرفع إنتاجيتها وتعزيز قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية، غير أن هذه الواردات قد تشكل في الوقت ذاته منافسة مباشرة للسلع محلية الصنع، ومن ثَمَّ، لا تقتصر آثار التجارة على توسُّع بعض الشركات المستفيدة من الانفتاح على أسواق جديدة، بل تمتد أيضًا إلى انكماش شركات أخرى وخروجها من السوق، لذا فإن قدرة الشركات على التكيُّف تؤثر على قدرة العمال بدورهم على التكيُّف؛ إذ قد يغادرون الشركات الأقل إنتاجية سعيًا إلى فرص عمل أفضل في شركات أكثر كفاءة، وإذا واجهت عملية إعادة توزيع العمال عقبات، فقد يتعرض بعضهم لفترات بطالة مؤقتة أو حتى طويلة الأمد.
ومع تحوُّل الاقتصاد العالمي من مرحلة اتَّسمت بقدرٍ نسبي من الاستقرار والتكامل إلى مرحلة جديدة تتَّسم باضطرابات سلاسل الإمداد، وتصاعد التنافسات الجيوسياسية، وتنامي حالة عدم اليقين في السياسات الاقتصادية، شهدت تأثيرات التجارة على سوق العمل تغييرات عديدة؛ حيث أصبحت ترتبط بتنويع الأسواق وبناء سلاسل إمداد وخدمات لوجستية أكثر مرونة، لكنها في المقابل ترفع احتمالات تركز خسائر الوظائف في قطاعات أو مناطق بعينها نتيجة الصدمات التجارية المفاجئة أو القفزات الحادة في الواردات، ويُظهر تحليل منظمة التجارة العالمية حول التجارة والتكنولوجيا والوظائف أن آثار التجارة في سوق العمل لا ترتبط فقط بمستويات التعريفات الجمركية، بل تعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الاقتصادات على التكيُّف ورفع كفاءة مؤسساتها المحلية، لذا ينبغي أن تهدف سياسات التكيف إلى جعل سوق العمل والاقتصاد عمومًا أكثر كفاءة في الاستجابة للتغيرات الاقتصادية.
أوضح التحليل أنه وفقًا لتقديرات البنك الدولي يُعَد توفير المزيد من فرص العمل الملائمة حجر الزاوية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ إذ يتغلَّب الناس على المصاعب من خلال زيادة دخلهم، ولطالما نُسب الفضل إلى زيادة الانفتاح على التجارة الدولية في توفير فرص عمل أفضل؛ لما لذلك من تأثيرات إيجابية على سوق العمل، ومن بين تلك التأثيرات:
-التوسع في التوظيف: ترتبط زيادة الانفتاح على التجارة ارتباطًا وثيقًا بزيادة فرص العمل، وتبدو هذه العلاقة أكثر وضوحًا في حالة واردات المدخلات الوسيطة المستخدمة في الإنتاج الموجَّه للسوق المحلية أو للتصدير. كما تظهر قوة هذه العلاقة أيضًا في أنشطة التصدير والمشاركة في سلاسل القيمة العالمية، ولا سيما في القطاع الصناعي. كما تشير الدلائل إلى أن الشركات الصناعية الأكثر اندماجًا في التجارة الدولية توظّف النساء بنسبة أعلى من إجمالي قوتها العاملة مقارنةً بالشركات التي لا تشارك في التجارة الدولية. وفي المحصلة النهائية تؤكد البيانات أن زيادة الانفتاح على التجارة تعزز التوظيف الإجمالي وتوظيف النساء على حد سواء في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط.
-زيادة الأجور: يُسهم نمو التجارة في رفع مستويات أجور العاملين بدرجة تفوق تأثيره في زيادة عدد الوظائف داخل القطاعات المختلفة، ما يحقق مكاسب مباشرة للعمال الحاليين، ولا سيما في مجال خدمات التجارة. كما يميل التفاوت في الأجور إلى التراجع في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل التي تشهد توسعًا في الوظائف الروتينية نتيجة زيادة الاندماج في سلاسل القيمة العالمية. وعلى النقيض، غالبًا ما تتسع فجوة الأجور في البلدان مرتفعة الدخل؛ حيث يؤدي هذا الاندماج إلى تقليص المهام الروتينية.
-ارتفاع إنتاجية العمل: تميل إنتاجية العمل إلى الارتفاع مع التوسُّع في التصدير، وتبرز هذه العلاقة بشكل أكبر في قطاع التصنيع، خاصة في الصناعات منخفضة التكنولوجيا، وكذلك في القطاع الزراعي. ويُعَد ذلك مؤشرًا إيجابيًّا للبلدان النامية، نظرًا لأن هذه القطاعات تستوعب نسبة كبيرة من العمالة غير الماهرة.
أوضح التحليل أنه رغم أن التجارة قد رفعت الرفاهة وخفضت الفقر على مستوى العالم تاريخيًّا، فإن النتائج “داخل الاقتصادات” تختلف اختلافًا حادًّا؛ حيث يمكن للأفراد أن يستفيدوا كمستهلكين لكنهم يواجهون خسائر كعمال في قطاعات وأماكن أكثر عرضة للتأثر. وتعتمد تبعات التوظيف المرتبط بالانفتاح على التجارة الدولية على مرونة حركة العمالة، وديناميكيات الشركات، وقوة السوق، والقدرة على التطور ضمن سلاسل القيمة العالمية، ومن بين أبرز المخاطر المحتملة:
-فقدان الوظائف في بعض القطاعات غير القادرة على المنافسة: يُسهم الانفتاح التجاري في تقليص الريع الاقتصادي، وهو ما ينعكس في تراجع الأجور داخل القطاعات والمناطق الأكثر تعرضًا للمنافسة الخارجية. وتعتمد المكاسب الإجمالية من التجارة على قدرة العمال ورأس المال على الانتقال من الأنشطة المتراجعة إلى الأنشطة الآخذة في التوسع، غير أن العوائق الجغرافية والمؤسسية أمام هذا الانتقال كثيرًا ما تؤدي إلى ركود طويل الأمد في مستويات التوظيف والدخل داخل المناطق المتضررة.
-التحول الهيكلي السريع وعدم مواءمة المهارات: أسهم التقدم التكنولوجي، ولا سيما انتشار الحواسيب والروبوتات، في تقليص الاعتماد على العمل البشري داخل القطاع الصناعي، ما جعل قطاع الصناعة أقل قدرة على استيعاب العمالة. وبالتوازي، تميل سلاسل القيمة العالمية إلى تفضيل الأنشطة كثيفة المهارات، الأمر الذي يضعف الميزة النسبية للدول النامية. ونتيجة لذلك، يصل التوظيف الصناعي إلى ذروته عند نسب متناقصة من إجمالي قوة العمل مع مرور الزمن، بدلًا من أن يشكل محركًا واسع النطاق لخلق فرص العمل؛ مما يعني أن التحولات المرتبطة بالتجارة قد تتعثر أو تصبح أقل قدرة على توفير فرص العمل في البيئات ذات أنظمة المهارات الأضعف.
أشار التحليل إلى أن التجارة الدولية تُعَد من الركائز الأساسية التي تعزز النمو الاقتصادي وتوليد فرص العمل، وتفيد إحصائيات منظمة العمل الدولية أن نحو 465 مليون وظيفة -ما يمثل نحو 15.3% من إجمالي العمالة العالمية- كانت مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالتجارة الدولية خلال عام 2024؛ حيث اعتمدت على الطلب الخارجي من خلال صادرات السلع والخدمات وسلاسل التوريد المرتبطة بها. وقد استحوذت آسيا والمحيط الهادئ على أكثر من نصف هذه الوظائف، بواقع 278 مليون وظيفة، تلتها أوروبا وآسيا الوسطى بواقع 96 مليون وظيفة؛ مما يبرز الأهمية الحيوية للتجارة في دعم العمالة وتحفيز الديناميكية الاقتصادية.
وفي المقابل، يُؤدي تباطؤ نمو التجارة، وما يرتبط به من اختلال سلاسل التوريد العالمية، إلى إبطاء وتيرة التوظيف وانتقال العمالة إلى قطاعات أخرى؛ مما يُسهم في تباطؤ التحسينات العالمية في مؤشرات العمل اللائق. ومن ثَمَّ يصبح تصميم سياسات تجارية عامة فعالة أمرًا حاسمًا لتعظيم المكاسب الوظيفية الناتجة عن التجارة وتقليل آثارها السلبية المحتملة على العمالة. ومن أبرز تلك السياسات:
-السياسات الداعمة لمرونة سوق العمل: تحقيق الفوائد الإيجابية للتجارة يعتمد على قدرة الاقتصاد على إعادة توزيع العمالة بين القطاعات والمناطق، فالشركات القادرة على المنافسة والتصدير تحتاج إلى التوسع وتوظيف المزيد من العمال، ومن ثَمَّ يجب أن يتمكن الأفراد من الانتقال بسهولة نسبية من مكان إلى آخر ومن قطاع إلى آخر، إضافة إلى إمكانية تنقل الأفراد أيضًا من نشاط أو مهنة إلى أخرى مع تغير الاقتصادات هيكليًّا.
كما ينبغي أن تقترن سياسات الإصلاح التجارية بسياسات اجتماعية داعمة للعمال، من خلال التركيز على تخفيف آثار التحولات التجارية على العمال الذين يفقدون وظائفهم أو يتعرضون لانخفاض في أجورهم نتيجة المنافسة الدولية، مثل برنامج المساعدة في التكيف مع التجارة في الولايات المتحدة (Trade Adjustment Assistance)، الذي يوفر إعانات خاصة للعمال المتضررين من التغيرات التجارية.
-سياسات خفض تكاليف التجارة: ويشمل ذلك تخفيض التعريفات الجمركية، وتقليص القيود غير الجمركية، والانخراط في اتفاقيات التجارة التفضيلية، الأمر الذي يؤدي إلى توسيع الأسواق أمام الشركات المحلية؛ مما يعزز قدرتها على التصدير ويزيد الطلب على العمالة. كما أن خفض الرسوم على المدخلات الوسيطة يمكن أن يعزز أداء الشركات التصديري ويرفع إنتاجيتها.
وتناول التحليل ما أشارت إليه تقديرات البنك الدولي بأن تخفيضات الرسوم الجمركية ترفع مستوى الرفاهة في الدول الأعضاء في منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA) بنسبة 0.2%، بينما يؤدي خفض التدابير غير الجمركية في السلع والخدمات للنصف إلى زيادة الرفاهة بنسبة 1.6%. وتكون المكاسب المُقدَّرة أكبر عند الأخذ في الاعتبار تحسينات تيسير التجارة.
-تسهيل استيراد السلع الوسيطة: وذلك لتعزيز الإنتاجية وخلق فرص عمل جديدة؛ إذ إن كثيرًا من المدخلات المستوردة يكون مكمِّلًا للإنتاج المحلي، لكن أثرها يختلف بحسب بنية الصناعة المحلية ومدى توافر بدائل وطنية منافسة، الأمر الذي قد يُسهم -في حال توافر الظروف الملائمة- في تحسين كفاءة الشركات وزيادة قدرتها التنافسية.
ويُعَد الوصول إلى خدمات مثل النقل والتمويل والبحث والتطوير عنصرًا مهمًّا في دعم الإنتاج الصناعي والتصدير. كما أن تحرير قطاع الخدمات يمكن أن يُسهم في زيادة صادرات الصناعات التحويلية وتحسين إنتاجية الشركات، وهو ما يعزز بدوره الطلب على العمالة.
-دور الدولة في إدارة التحولات الناجمة عن الانفتاح التجاري: من الأهمية أن تقوم الحكومات بإدارة الإصلاحات التجارية بطريقة تدريجية لتقليل آثارها السلبية على سوق العمل؛ فالتحرير السريع للتجارة قد يؤدي إلى صدمات اقتصادية حادة تؤدي إلى فقدان الوظائف في بعض القطاعات قبل أن تتمكن القطاعات الجديدة من استيعاب العمالة.
ولهذا يجب تطبيق الإصلاحات على مراحل زمنية متتابعة، بحيث يتم تخفيض الرسوم الجمركية تدريجيًّا بدلًا من إلغائها دفعة واحدة. ويساعد هذا النهج على تقليل الاضطرابات في سوق العمل، ويمنح الشركات والعمال الوقت الكافي للتكيُّف مع البيئة الاقتصادية الجديدة.
وأوضح التحليل في ختامه أن التجارة الدولية قادرة على خلق فرص عمل وتحسين الأجور عندما تُدار ضمن حزمة سياسات متكاملة تشمل التركيز على رفع تنافسية الاقتصاد وخفض تكاليف التجارة، وتنويع الصادرات والارتقاء داخل سلاسل القيمة، والاستثمار في المهارات وربطها بطلب قطاعات التصدير والخدمات، وتوفير مرونة في انتقال العمالة بين القطاعات المختلفة؛ مما يخفف صدمات إعادة الهيكلة. دون ذلك، قد ترتفع التجارة بينما تبقى البطالة أو هشاشة سوق العمل أو فجوات الأجور قائمة، خصوصًا إذا اقترن ذلك بضعف مواءمة التعليم والتدريب ورفع مستوى المهارات.




