الدنمارك تنهي انتقال «الإيدز» من الأم للطفل كأول دولة في الاتحاد الأوروبي

حققت الدنمارك سبقا تاريخيا كأول دولة في الاتحاد الأوروبي تنجح في القضاء تماما على انتقال فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) والزهري من الأم إلى الجنين، وهو إنجاز عالمي اعتمدته منظمة الصحة العالمية رسميا في يونيو 2025. وتوج هذا المسار بحصول كوبنهاجن على شهادة منظمة الصحة العالمية التي تثبت قدرتها على ضمان ولادة جيل جديد خال من هذه العدوى، نتيجة دمج خدمات الرعاية الأولية وصحة الأم والطفل في نظام صحي شامل ومجاني، مما جعلها نموذجا يحتذى به عالميا في كفاءة السياسات الوقائية.
مكتسبات صحية: كيف استفادت الأم والطفل؟
يكمن الجوهر الخدمي لهذا الإنجاز في قدرة النظام الصحي الدنماركي على توفير تغطية صحية شاملة تتجاوز مجرد العلاج إلى الوقاية الاستباقية. فبدلا من التعامل مع الإصابات بعد وقوعها، فرضت الدولة بروتوكولات صارمة تضمن حقوق المرأة الحامل في الوصول إلى الرعاية المتميزة، وهو ما انعكس على استقرار المجتمع الصحي من خلال:
- توفير فحص روتيني ومجاني لجميع النساء الحوامل للكشف المبكر عن الفيروسات.
- ضمان تقديم العلاج الفوري والمكثف لكل حالة يتم اكتشافها لضمان عدم انتقال العدوى للجنين.
- تطوير أنظمة بيانات رقمية نموذجية تتابع حالة الأم والطفل منذ لحظة الحمل وحتى ما بعد الولادة.
- الاحتفاظ بمعدل إصابات بين الرضع يقل عن 50 إصابة لكل 100 ألف ولادة بشكل مستمر سنويا.
خلفية رقمية ومؤشرات النجاح الاستراتيجي
تظهر الأرقام الرسمية الصادرة عن لجان التحقق الإقليمية أن الدنمارك استوفت كافة المعايير الصارمة لمنظمة الصحة العالمية بين عامي 2021 و2024. وبالنظر إلى الوضع الوبائي الحالي في البلاد، نجد أن الجهود الصحية نجحت في حصر الفيروسات في أضيق الحدود مقارنة بدول أخرى، وفق المعطيات التالية:
- يبلغ عدد المصابين بالإيدز في الدنمارك نحو 5950 شخصا فقط، وتتأثر به أقل من 0.1% من النساء الحوامل.
- وصلت نسبة فحص وعلاج النساء الحوامل إلى أكثر من 95 من كل 100 امرأة، وهي النسبة الذهبية للقضاء على الأمراض المعدية.
- في عام 2024، تم تسجيل 626 حالة إصابة بالزهري فقط، الغالبية العظمى منها بين الرجال (524 حالة)، بينما انخفضت بين النساء إلى 102 حالة، مع تسجيل حالات نادرة جدا من الزهري الخلقي (المنتقل للجنين).
- تقدر نسبة انتشار التهاب الكبد (ب) بنحو 0.2% إلى 0.3%، وتتركز أغلبها بين المهاجرين من مناطق موبوءة، وهو التحدي القادم الذي تعمل الدولة على القضاء عليه.
متابعة ورصد: الطريق نحو القضاء الثلاثي والتحرك العالمي
تنضم الدنمارك بهذا الاعتماد إلى قائمة حصرية تضم 22 دولة وإقليم فقط حول العالم نجحت في القضاء على انتقال هذه الأمراض من الأم للطفل، ومن أبرزها: (عمان، تايلاند، ماليزيا، البرازيل، وبوتسوانا). ولا تتوقف الطموحات الدنماركية عند هذا الحد، حيث أعلنت وزارة الداخلية والصحة الدنماركية عن بدء العمل رسميا على ملف القضاء على التهاب الكبد الوبائي (ب) لتصبح أول دولة في العالم تحقق ما يسمى بـ القضاء الثلاثي الكامل.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن هذا الإنجاز يضع مسؤولية كبرى على عاتق الدول الأوروبية الأخرى للحاق بالركب، مشيرة إلى أن التزام الإرادة السياسية وتوجيه الاستثمارات نحو الرعاية الأولية هو المفتاح الوحيد لإنهاء تهديد هذه الأمراض للأجيال القادمة. ومن المتوقع أن تبدأ دول أخرى في الاتحاد الأوروبي مراجعة بروتوكولاتها الصحية للاستفادة من التجربة الدنماركية في إدارة أنظمة البيانات والمختبرات المتطورة.




