أخبار مصر

عاجل | “مجلس بورقية” يحذر من مخاطر الذكاء الاصطناعي ويطالب بإطار وطني عاجل

حذّر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي من التسارع المتزايد لاعتماد الذكاء الاصطناعي داخل المنظومة التربوية، في مقابل غياب إطار مؤسساتي واضح يؤطر هذا التحول ويوجه استعمالاته، معتبرا أن هذا الاختلال بين سرعة الانتشار وضعف التأطير يفرض التعجيل باعتماد إطار وطني مرجعي يحدد شروط إدماج هذه التقنيات في التربية والتكوين، ويضبط أهدافها التربوية والضوابط الأخلاقية والمؤسساتية المنظمة لها.

ونبه المجلس، ضمن توصيته تحت عنوان “من أجل اعتماد إطار وطني لتوجيه استعمال الذكاء الاصطناعي في التربية والتكوين والبحث العلمي”، التي اطلعت عليها جريدة “مدار21″، إلى “تسارع استعمالات الذكاء الاصطناعي في الفضاء التربوي، في مقابل تأخر تأطيرها، مما يطرح تحدي توجيهها لخدمة التعلم، دون الإخلال بوظائف المدرسة وأدوارها التربوية الأساسية”.

ولفت إلى أن هذه التوصية “لا تهدف إلى اقتراح خطة عمل، أو الحلول محل الحكومة في صلاحياتها التنفيذية، بل إلى الحث على تأطير هذه الاستعمالات في الوسط التربوي، مع تقديم مقترحات يرى المجلس ضرورة أخذها بعين الاعتبار في أي تدخل عمومي في هذا المجال.

وحول دواعي إصدار التوصية، أشار المجلس إلى الحضور المتسارع للذكاء الاصطناعي داخل البيئة الرقمية للأطفال والشباب، ودخوله الفعلي إلى الفضاء التربوي، مشيرا إلى أنه “ترسبت لدى المتعلمين استعمالات رقمية متنامية، أضحت جزءا من تجربتهم اليومية، دون أن تستند إلى تعلم ممنهج ومستدام، أو إلى تأطير بيداغوجي كاف، مما أفرز فجوة بين هذه الممارسات، وبين وتأطيرها التربوي”.

وأردف أن تعزيز حضور مكونات الذكاء الاصطناعي داخل البيئة الرقمية التي يتفاعل معها الأطفال واليافعون والشباب بشكل يومي “لا يفيد ذلك بالضرورة استعمالا واعيا أو مباشرا لهذه التقنيات، بقدر ما يعكس تداخلا متزايدا مع الخدمات الرقمية التي أصبحت جزءا من ممارسات هذه الفئات”.

ويتميز هذا الحضور، بحسب المجلس، “بطابع مبكر وواسع ومتسارع، بما يتجاوز في كثير من الأحيان قدرة الأسر والمؤسسات التعليمية على المواكبة أو الضبط”، مشددا على أنه “لم يعد هذا الاستعمال يقتصر على الولوج إلى المعلومة، بل يشمل إنتاج محتوى جاهز، واقتراح حلول فورية عبر وظائف مدعومة بالذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يسهم في إعادة تشكيل علاقة المتعلم بالمعرفة، وبالجهد الذهني، وبطرائق التعلم”.

وأشار إلى أن التعامل لم يعد مقتصرا على مصادر للمعلومة، بل أصبح يشمل “أدوات قادرة على توليد المحتوى والاستجابة الفورية، بما يطرح أسئلة متجددة حول طبيعة التعلم والجهد المعرفي المرتبط به؛ مما يدل على أن إدماج مكونات الذكاء الاصطناعي، يتم داخل بيئة رقمية قائمة ومترسخة، لا في فراغ مستقل”.

وأبرز أن هناك “تأخر واضح في التأطير المؤسساتي والتربوي، القادر على توجيه هذه الاستعمالات وضبط شروطها. إذ لا يزال هذا المجال يفتقر إلى إطار تربوي ومؤسساتي واضح، ممنهج ومتدرج، يؤطر استعمالات الذكاء الاصطناعي داخل المنظومة التعليمية، ويحدد حدودها وشروطها، ويضبط آثارها المحتملة على التعلمات والنمو المعرفي، وتشكل الذهنيات والسلوك، ويضمن الحد الأدنى من الحماية التربوية للمتعلمين”.

وأضاف أن تعدد المبادرات وتشتتها في غياب تصور شمولي مؤطر يضمن انسجامها وتكاملها يبرز “الحاجة إلى تدخل عمومي إرادي قوي وعاجل، قادر على استيعاب هذه التحولات وتوجيهها ضمن رؤية تربوية واضحة ومتكاملة”. وشدد على أن “عدم التدخل أو التريث المفرط قد يشكل في حد ذاته مخاطرة، بما قد يحول الصمت العمومي إلى اختيار ضمني تتحدد على أساسه، بشكل تدريجي، مسارات التعلم وأنماط التفكير لدى أجيال كاملة”.

ونبه المجلس إلى الأثر المحتمل للذكاء الاصطناعي على النمو المعرفي “لما ينطوي عليه من تأثير في مسارات بناء القدرات الذهنية لدى المتعلمين في مختلف مراحل نموهم”، مضيفا أن الذكاء الاصطناعي التوليدي “لا يقتصر على توفير المعلومات، بل ينتج إجابات ونصوصاً واستدلالات جاهزة، ما قد يؤدي، في حال الاستعمال غير المؤطر، إلى إضعاف عمليات ذهنية أساسية يفترض أن تبنى تدريجياً عبر التعلم، وفق منطق تراكمي يراعي تدرج المكتسبات، من قبيل التحليل، والتركيب، والتجريب، والخطأ”.

وتابع المجلس أن الاستعمال المبكر وغير المؤطر للذكاء الاصطناعي من قبل الأطفال واليافعين الذين تكون قدراتهم اللغوية، والتحليلية، والنقدية في طور التشكل، يؤدي إلى “إضعاف الجهد الذهني، وإحداث هشاشة في التعلمات الأساسية (القراءة، الكتابة، الحساب، التفكير المنطقي)، والاعتماد المفرط على حلول جاهزة؛ بما يربك علاقة المتعلم بالمعرفة، ويحد من قدرته على بنائها تدريجياً اعتماداً على جهده الذهني الخاص، عبر مسار يتم خلاله بناء الاستقلالية الفكرية بشكل عام”.

وأوصى المجلس “بالشروع في بلورة إطار وطني مرجعي يؤطر استعمالات الذكاء الاصطناعي في التربية، بحيث يحدد الغايات التربوية والمبادئ المؤطرة، وشروط الاستعمال، والمسؤوليات المؤسسية”، مفيدا أن هذا الإطار يأتي “ليوجه إدماج هذه التقنيات في انسجام مع سياق الإصلاح كما حددته المرجعيات ذات الصلة، ومع المستجدات الراهنة”.

وينتظر من هذا الإطار، بحسب المجلس، “العمل على توحيد التوجهات وضبط التدخلات لدى كافة المتدخلين التربويين، وتحديد حدود الاستعمالات المقبولة تربويا خاصة بالنسبة للفئات الهشة إلى جانب تحديد أدوار مختلف الفاعلين بما يضمن توجيه الابتكار التكنولوجي نحو خدمة جودة التعلمات والإنصاف التربوي”. ويعمل الإطار المذكور على “توجيه الاستعمالات نحو تمكين المتعلمين من استعمال واع ومسؤول. وتعزيز تفاعلهم النقدي مع هذه التقنيات في انسجام مع القيم التربوية مما يدعم تنمية مواطنة رقمية واعية، ويعزز دور المدرسة كمجال لإنتاج المعرفة”.

وشدد المجلس على ضرورة أن يرتكز الإطار الوطني على “مبدأ الحياد التكنولوجي، المقترن بالسيادة التربوية من خلال تحديد معايير تربوية وأخلاقية واضحة، توجه مختلف الأدوات الرقمية دون الارتباط بتطبيقات بعينها، مع مراعاة مبادئ السيادة الرقمية، والإنصاف والتنوع اللغوي والثقافي”. ويقتضى تفعيل هذا البعد التوجيهي، وفق المجلس، “إرساء هيئة وطنية تتولى إعمال مقتضياته، وتتبع تطبيقه، وتنسيق تدخلات الفاعلين المعنيين بما يضمن انسجام الجهود، وتأمين نجاعة التدخل العمومي”.

جمال عبد العزيز

جمال عبد العزيز، محرر الشؤون السياسية والبرلمانية بـ بوابة البوابة نيوز. متخصص في تغطية أخبار الدولة المصرية، والسياسات الخارجية، والقضايا الأمنية والقانونية. بفضل متابعته اللحظية لمراكز صنع القرار، يقدم "جمال" محتوى إخبارياً دقيقاً يغطي كافة الجوانب السياسية، والاقتصادية، والخدمية التي تشغل الرأي العام المصري والعربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى