عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع المدينة برس نقدم لكم اليوم من إسماعيل إلى توفيق، قصة البرقية الصادمة التي أنهت إمبراطورية الأب وأجلست الابن على عرش الديون - المدينة برس
في مثل هذا اليوم من عام 1879، وصلت برقية مقتضبة وحاسمة من الباب العالي في الآستانة إلى مصر، ولم تخاطب صاحب العرش بلقبه المعهود، بل وجهت كلمات بغلظة سياسية إلى «الخديو السابق إسماعيل باشا».
كانت هذه الرسالة بمثابة رصاصة الرحمة التي طوت طموحات الرجل الذي حلم بتحويل مصر إلى قطعة من أوروبا قبل أن تخنقه حبال الديون، لتنفتح في اللحظة نفسها صفحة جديدة وحرجة من تاريخ المحروسة، بانتقال العرش رسميًا إلى ابنه الخديو الجديد محمد توفيق باشا.
الخديوي إسماعيل، من حلم باريس الشرق إلى اللحظة الخانقة
لم يكن الخديو إسماعيل المولود عام 1830 حاكمًا عاديًا؛ بل كان كتلة من الطموح المشتعل. تولى حكم مصر عام 1863، واضعًا نصب عينيه مشروعًا حضاريًا ضخمًا لخلق مصر الحديثة. أنشأ دار الأوبرا، وحفر قناة السويس، ومد خطوط السكك الحديدية، وأسس الجمعية الجغرافية، ووسع حدود مصر لتصل إلى أعماق إفريقيا والبحيرات العظمى.
لكن هذا الطموح كان يسير فوق أرضية ملغومة بالديون. أنفق إسماعيل ببذخ أسطوري على حفلات افتتاح القناة ورشاوى الباب العالي للحصول على لقب خديو وحق توريث العرش لأكبر أبنائه. وبحلول أواخر السبعينيات، تحول الدائنون الأوروبيون إلى ذئاب تنهش جسد الاقتصاد المصري. تشكل صندوق الدين ثم الرقابة الثنائية الفرنسية والبريطانية، واضطر إسماعيل لقبول الوزارة الأوروبية التي فرضت وزيرًا فرنسيًا للمالية وبريطانيًا للأشغال.
وكتب الخديوي إسماعيل نهايته بيده عندما انحاز للحركة الوطنية وأقال الوزيرين الأجنبيين في أبريل 1879 وهنا أدركت لندن وباريس أن إسماعيل بات خطرًا، فضغطتا على السلطان العثماني عبد الحميد الثاني لإصدار فرمان العزل الفوري، ليجد إسماعيل نفسه وحيدًا أمام خيارين، الرحيل أو الحرب، فاختار الابتعاد لحقن الدماء.
كواليس تخلي الخديوي إسماعيل عن الحكم
تروي الوثائق التاريخية ومذكرات المعاصرين مثل مؤلفات المؤرخ عبد الرحمن الرافعي كواليس اللحظات الأخيرة للخديوي إسماعيل في حكم مصر؛ فعندما دخل قنصلا بريطانيا وفرنسا على إسماعيل لإبلاغه رسميًا بالفرمان، واجههما بكبرياء ملكي مجروح، والتفت إلى ابنه توفيق قائلًا بلهجة حزينة إن السلطان عزله، وأنه يتمنى له توفيقًا أكثر مما نال في هذا العرش الحرج.
وفي الثلاثين من يونيو 1879، تحرك الموكب الخديوي الحزين من قصر عابدين إلى محطة القطار متوجهًا إلى الإسكندرية، ومنها استقل اليخت الخديوي المحروسة إلى منفاه في نابولي بإيطاليا. كانت شوارع القاهرة حزينة، وخرجت حاشيته والعديد من أفراد الشعب لوداعه بالدموع، مدركين أن رحيل هذا الرجل الطموح، يعني أن الإرادة المصرية أصبحت في مهب الريح.
الخديو توفيق، النشأة المغتربة ومراحل التطور السياسي
ولد محمد توفيق عام 1852، وكانت نشأته تختلف تمامًا عن إخوته حسين كامل وفؤاد؛ فهو ابن لجارية تدعى شفق نور، ولم يرسل كإخوته للدراسة في أوروبا، بل نشأ وتربى داخل مصر، مما جعله قريبًا من البيئة المصرية التقليدية، لكنه في الوقت نفسه كان يشعر بعقدة نقص خفية داخل القصر لعدم نيله حظوة والده المطلقة في البداية.
تطوره السياسي بدأ مبكرًا عندما أسند إليه والده رئاسة المجلس الخصوصي ـ مجلس الوزراء عام 1879 لفترة وجيزة قبل العزل. وفي هذه المرحلة، بدأ توفيق يرى بأم عينيه كيف تدار الدولة تحت ضغط الديون، وتشكلت لديه قناعة من الواقع ـ يراها المؤرخون اليوم ضعفًا ـ بأن مواجهة القوى الأوروبية انتحار سياسي، وأن البقاء في الحكم يتطلب مسايرة الإنجليز والفرنسيين.
الخديوي الابن والأب، دراما العلاقات قبل وبعد الإبعاد
كانت العلاقة بين إسماعيل وتوفيق مشوبة بالحذر قبل العزل؛ كان توفيق يرى اندفاع والده المالي ويخشى عواقب الانهيار. وعندما ضغطت الدول الأوروبية وتأسست الوزارة المختلطة، أظهر توفيق ميلًا للتهدئة مع الأجانب، ولم يدافع عن والده بقوة أثناء لحظات تضييق الخناق الأخيرة، بل أبدى مرونة سلبية جعلت القوى الدولية ترى فيه البديل المثالي الذي يمكن قيادته مقارنة بالأب العنيف والمناور.
أما بعد العزل، فتحولت العلاقة في المنفى إلى مزيج من القطيعة السياسية والجفاف العاطفي؛ حيث اتخذ توفيق إجراءات صارمة لتقليص نفوذ حاشية والده القدامى في القاهرة، وراقب المراسلات القادمة من منفى إسماعيل خوفًا من وجود مؤامرات لاستعادة العرش. ولم يُسمح لإسماعيل بالعودة إلى مصر طوال عهد ابنه، وظل الأب يعيش مرارة النفي حتى وفاته في الآستانة عام 1895، بينما ظل توفيق محاصرًا بعقدة الذنب السياسية والتاريخية كونه الابن الذي ورث عرش أبيه المخلوع برعاية أجنبية.
صدمة المقارنة، كيف تهاوت هيبة الدولة بين عهدين؟
حسب وثائق تاريخية، بمقارنة العهدين في ميزان القوة والنفوذ، حدث انهيارًا حادًا في مؤشرات السياسة وهيبة الدولة؛ ففي عهد إسماعيل، عاشت مصر طفرة إمبراطورية متمددة، ووصلت الحدود المصرية إلى الصومال، وأعماق السودان، وأوغندا، لتصبح مصر قوة إقليمية يخشاها العثمانيون والأوروبيون على حد سواء، ويمتلك حاكمها جرأة المناورة وتأليب القوى الشعبية والبرلمان ضد التدخل الأجنبي.
لكن هذه الهيبة تلاشت تمامًا بمجرد صعود توفيق إلى سدة الحكم؛ حيث تحولت مصر إلى دولة تابعة ومنقوصة السيادة، وتقلص نفوذها الخارجي بشكل مرعب حتى ضاع السودان مؤقتًا بعد الثورة المهدية، وسقطت الإرادة السياسية كاملة في يد القنصل البريطاني اللورد كرومر.
وعلى المستوى العسكري، انحدرت الدولة من قمة التحديث التي عاشتها مع إسماعيل، والذي طور الجيش والأسطول واستعان بأحدث الخبرات العالمية، لتصل في عهد توفيق إلى محطة التفكيك الكامل؛ إذ بدأت الحقبة بالثورة العرابية وانتهت بالكارثة الأكبر في تاريخ مصر الحديث، وهي الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882، وتحول الجيش المصري إلى قوة رمزية تحت إمرة سردار بريطاني.







0 تعليق